ابن الجوزي
46
زاد المسير في علم التفسير
والعليم : جاء على بناء : فعيل ، للمبالغة في وصفه بكمال العلم . وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ( 30 ) قوله [ تعالى ] : ( وإذ قال ربك للملائكة ) . كان أبو عبيدة يقول : " إذ " ملغاة ، وتقدير الكلام : وقال ربك ، وتابعه ابن قتيبة ، وغاب ذلك عليهما الزجاج وابن القاسم . وقال الزجاج : إذ : معناها : الوقت ، فكأنه قال : ابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة . والملائكة : من الألوك ، وهي الرسالة ، قال لبيد : وغلام أرسلته أمه * بألوك فبذلنا ما سأل وواحد الملائكة : ملك ، والأصل فيه : ملأك . وأنشد سيبويه : فلست لإنسي ولكن لملأك * تنزل من جو السماء يصوب قال أبو إسحاق : ومعنى ملأك : صاحب رسالة ، يقال : مألكة ومألكة وملأكة . ومآلك : جمع مألكة . قال الشاعر : أبلغ النعمان عني مألكا * أنه قد طال حبسي وانتظاري وفي هؤلاء الملائكة قولان : أحدهما : أنهم جميع الملائكة ، قاله السدي عن أشياخه . والثاني : أنهم الذين كانوا مع إبليس حين أهبط إلى الأرض ، ذكره أبو صالح عن ابن عباس . ونقل أنه كان في الأرض خلق قبل آدم ، فأفسدوا ، فبعث الله إبليس في جماعة من الملائكة فأهلكوهم . واختلفوا ما المقصود في إخبار الله [ عز وجل ] الملائكة بخلق آدم على ستة أقوال : أحدها : أن الله تعالى علم في نفس إبليس كبرا ، فأحب أن يطلع الملائكة عليه ، وأن يظهر ما سبق عليه في علمه ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، والسدي عن أشياخه . والثاني : أنه أراد أن يبلو طاعة الملائكة ، قاله الحسن . والثالث : أنه لما خلق النار خافت الملائكة ، فقالوا : ربنا لمن خلقت هذه ؟ قال : لمن عصاني ، فخافوا وجود المعصية منهم ، وهم لا يعلمون بوجود خلق سواهم ، فقال لهم : ( إني جاعل